سوريّة، الأذواق مجتمعة

أنصحكم بأن تتقيّدوا في سوريّة مهما كلف الأمر بقاعدة من قواعد السُّلوك: إياكم أن تمتدّحوا في دمشق مآكل تلذذتم بها في حلب ولا في حلب مآكل أثارت إعجّابكم في دمشق، فكلٌ من هاتين المدينتين تفتخر بفنّها الطبخيّ، بقدر ما تعتّز، إن لم يكن أكثر، بتاريخها العريق أو جمال نسائها. ولذلك ترونني متردداً بعض الشّيء في الخوض في هذا الموضوع وتحمل مسؤوليته، مع أني لا أدعّي إلّا الإدلاء بشهادةٍ متواضعة في قضيةٍ لم تحسم في وقتٍ قريب.

ينبغي أن تعلموا أولاً أن سوريّة (وهنا تتساوى دمشق وحلب) تبرع في الحلويات على اختلاف أنواعها، متخطيّة بشوط كبير كل بلدان الشرق، بما فيها تركيّا. وحدها مدينة طرابلس في شمال لبنان قد تجاريها في ذلك، بالرغم من أنها تفرط في نظري في استخدام السكر. بيد أنّي أكثر إعجاباً بتفنن السوريين – علي أن أقول السوريّات- في الحصول على مختلف النكهات الحامضة، بواسطة مجموعة من المكونات التي لا يمكن أن يستبدل أي منهما بالآخر: الليمون، والخل، ومعجون الطماطم، والسماق، والتمر الهندي، وعصير الحصرم، ودبس الرمان، وعصير النارنج، ومختلف أنواع الألبان المتخمرة، وكذلك الخوخ الأخضر (الجانرك) في دمشق، والكرز الحامض في حلب.

سأجازف الآن وأقول إن دمشق تتغلب على حلب في إعداد الفتّة (الفتائت أو الثريد)، فيما تتغلب حلب على كل منافسيها في ميدان الكبّة، أي اللحم المدقوق يُدعك بالبرغل، إن وصفاتها الستّين على أقلّ تقدير، التي تُقلى فيها عجينة الكبّة أو تُطهى في الفرن أو تُشوى أو تُطبخ بالصلصة، لقمينة بأن تُقنع أيّ ذوّاقة حسن النيّة، وإن يكن دمشقيّاً، بتفوّق حلب السّاحق في هذا المضمار. وأضيف آملاً أن لا أخدش مشاعر أصدقائي اللبنانييّن من أهل زغرتا أو زحلة أو الجنوب : إن هذا الحُكم يجري أيضاً على الكبّة النيّة التي يّدعون امتلاك سرّها. كان يحلوا، على ما يُقال، للنساء الحلبيات أن يأكلن منها في الحمّام، وكم يؤسفني أن الرسّام الفرنسي آنغر صاحب لوحات الحمّامات التركيّة لم يمرّ قط بحلب!

 

من كتاب مطبخ زرياب / فاروق مردم بك ؛ ترجمه عن الفرنسيّة جان ماجد جبور، هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، 2015.

 

اختاره هاني صبري

مكتبة الجامعة